عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

347

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

نحن بمنديل أبيض لم نر مثله تحته مكبة من زمرد أخضر ، فكشفناها فإذا بمائدة من ياقوت أحمر عليها طعام يشبه الثريد ، فأكلنا منه ، فكنا نأكل ولم ينقص منه شئ ، فلما كان وقت السحر جاء ذلك الرجل فحمل المائدة ، ثم أذن وأقام الصلاة ، فتقدم الشيخ فصلى بنا وجلس في محرابه ، فختم القرآن ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ودعا بدعاء حسن ، ثم قال إن اللّه تعالى افترض على خلقه فريضتين في آية واحدة ، والخلق عنها غافلون ، فقلت : وما هي رحمك اللّه ؟ فقال لي تقدم جبرك اللّه ، فقدمني على الجماعة وقال لي نعم يا بنى جبرك اللّه ، قال الجليل جل جلاله ( إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ ) فوصفه بالعداوة لنا ، ثم قال ( فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ) فهذا أمر منه لنا أن نتخذه عدوا ، قال : فقلت له كيف نتخذه عدوا ونتحصن منه ؟ فقال : اعلم رحمك اللّه ، أن اللّه جل جلاله جعل لكل مؤمن سبعة حصون ، فقلت وما هذه الحصون ؟ قال : الحصن الأول من ذهب ، وهو معرفة اللّه تعالى ، وحوله حصن من فضة وهو الإيمان باللّه ، وحوله حصن من حديد وهو التوكل على اللّه ، وحوله حصن من حجارة وهو الشكر والرضا عن اللّه وحوله حصن من فخار وهو الأمر والنهى والقيام بهما ، وحوله حصن من الزمرد وهو الصدق والإخلاص في جميع الأحوال ، وحوله حصن من لؤلؤ رطب وهو أدب النفس ، فالمؤمن من داخل هذه الحصون ، وإبليس من ورائها ينبح كما ينبح الكلب ، والمؤمن لا يبالي به لأنه قد تحصن بهذه الحصون ، فينبغي للمؤمن أن لا يترك أدب النفس في أحواله ، ولا يتهاون به في كل ما يأتيه ، فإن من ترك أدب النفس وتهاون بها يأتيه الخذلان من فوق لتركه الأدب ، ولا يزال إبليس نعوذ باللّه منه يعالجه ويطمع فيه حتى يأخذ منه الحصن الأول ، ثم لا يزال يأخذ منه حصنا بعد حصن إذا ترك الأدب ويطمع فيه ؛ ويأتيه الخذلان من اللّه تعالى لتركه حسن الأدب حتى يأخذ منه جميع الحصون السبعة ويرده إلى الكفر فيخلد في النار ، نعوذ باللّه من جميع ذلك ونسأله التوفيق وحسن الأدب ، قال فقلت له : أوصني بوصية ، قال نعم جبرك اللّه اجتهد في رضا خالقك بقدر ما تجتهد في رضا نفسك ، واعمل في دنياك بقدر مقامك فيها ، واعمل لربك بقدر حاجتك إليه ، وأطع إبليس لعنه اللّه بقدر نصحه لك ، وهي الخديعة منه ، وارتكب من المعاصي بقدر طاقتك على النار ،